
لابد أنك مررت بتجربة تغيرت الأمور بها من الأحسن الى الأسوأ أو الى مرحلة لا ترضيك.
لا شيء يدوم … الحقيقة التي يرددها الجميع ولكن الجميع فعلياً لا يعطونها حقها وقدرها الكافي من الاهتمام.
ورغم تكرار البشر لهذه المقولة – “لا شيء دائم” – وإدراكهم لهذه الحقيقة الكونية الا أنهم لسبب ما ينسونها أو يتناسونها أو يغرقون في اللحظة و ينسونها.
و الأشد أثراً عندما يستكينون و يطفون فوق مياه ما يسمى ( منطقة الراحة) .
قد يبدو الموضوع سهلاً أو بسيطاً لكن….
كيف نصل الى لحظة الوعي والإدراك بأن مهمتنا في مرحلة ما انتهت؟ أو لن نصل في هذه المغامرة أو الرحلة الى أبعد مما وصلنا اليه؟ أو أنه لا يمكن تحقيق ما نصبو اليه في هذه العلاقة ، الرحلة ، المهمة ؟؟
كيف تبتعد و أنت في القمة ؟
كيف تبتعد و ما زلت مطلوباً أو مرغوباً ؟
كيف تنسحب و ما زلت تملك العطاء؟
كيف تتوقف قبل أن يُطلب منك التوقف؟
دائماً يرددون…
ابتعد و انت في القمة ،
اترك الحفل و الجمهور ما زال يصفق لك،
اترك المكان وأنت في قمة نجاحاتك….
الحقيقة انها كلها عبارات في محلها و أراها صحيحة، لكن ترديد الكلمات الرنانة بدون خوض تجارب تضعك على المحك يجعل إيمانك أو بالأصح إدراكك لهذه العبارات ناقصاً.
يسعى الانسان إلى الوصول ، إلى القبول، إلى الترقي، إلى بناء الامجاد، وعند بلوغها يستمتع بالإنجاز ، بالشهرة، بالقبول، بالتودد الذي يحصل عليه، و البعض يعجبه التملق الذي سيجده …كيف يمكن بعد هذا أن يفكر بالتوقف أو الانسحاب ؟
لا تعتقد أنك بمأمن من ذلك ! سقط الكثيرون في هذا الاختبار.
لنذهب في رحلة زمنية بسيطة الى ايطاليا
جوزيه مورينيو أحد أشهر مدربي كرة القدم في الوقت الحالي، تولى دفة إدارة تدريب نادي انتر ميلان في العام 2008
حقق في سنته الأخيرة 2010 انجازاً طال انتظاره – 45 عام – لمالك ومشجعي النادي ، اذ عاد ليحقق دوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة في تاريخه ، و لم يكتف بذلك بل سبقها بتحقيق لقبي الدوري الإيطالي و كأس إيطاليا، و هذه الثلاثية انجاز غير مسبوق في تاريخ الأندية الإيطالية لم يحققها أحد من قبله و لا من بعده – حتى الآن – .
لقد بلغ مورينيو في تاريخ و قلب مالك النادي و أفئدة المشجعين مبلغاً غير قابل للمساس.

حفر اسمه في تاريخ النادي …
رسخ مكانته للأبد.
لن يضره ما يفعل بعدها.
ولكن وللمفاجأة، قرر أن ينهي مسيرته مع النادي هنا…توقف و هو في القمة !
في ليلة وداعه بكى كثيراً ، ولكنه اختار التوقف في القمة ، اختار أن يبتعد قبل أن يطلب منه ذلك…
رغم أن نسب نجاحه – إن أكمل – كانت عاليه، ولكنه قرر التوقف في مسيرته مع الانتر في القمة.
ولهو شيء صعب، أن تكون في أوجك و قمة نجاحك، أن تقرر التوقف.
بكى كثيراً ، ولكنه اختار تخليد اسمه في ذاكرة النادي و ذاكرة كرة القدم الإيطالية بأن رحل و هو في القمة.
و خلف بحر المانش مدرب آخر لا يقل شهرة عن مورينيو، ارسن فينغر مدرب الارسنال، الذي سطر معه امجاداً و بطولات توجها بإنجاز غير مسبوق في تاريخ الدوري الإنجليزي بأن فاز في العام 2004 بالدوري الإنجليزي بلا هزيمة…انجاز لم يسبقه او يلحقه به أحد حتى الآن.
لكن فينغر استمر…و استمر …و حتى بعد رحيل النجوم استمر…وحتى بعد أن أصبحت سياسة الإدارة عدم جلب النجوم…استمر حتى بلغ أن جمهور أرسنال استأجر طائرة حلقت فوق الملعب في أحد المباريات تحمل خلفها لوحة كتب عليها ” لا عقد جديد ، اخرج فنغر”

كم من موقف مررنا به في حياتنا و لم نتوقف حتى صارت الأمور الى مرحلة لم نكن نريدها؟
قابلت شخصين ممن اعدهم من الناجحين في مسيرتهم المهنية.
استلم الأول زمام مشروع مهم وابلى حسناً به، و عند تسليم المشروع استقال و انتقل إلى عمل آخر، كانت نهاية هذا المشروع بالنسبة له قمة نجاحه في هذا المكان ، و لم يكن يوجد مشروع أكبر منه.
ترك المكان بمشروع منجز مهم و كان آخر ما قدمه في عمله قبل الانتقال.
وبقي اسمه مرتبطاً بهذا الإنجاز، كان أكبر إنجازات مكان عمله و ارتبط باسمه وارتبط بآخر ذكرى له في المكان.
أما الآخر فقد استلم منشأة متخبطة و قادها للاستقرار و من ثم تحقيق بعض الإنجازات، و عندما أصبحت الأمور و اضحة و تخطو بخطى ثابته و رؤية واضحة ، استقال و ترك مكانه و تدخل أعلى مسؤول في جهته لثنيه عن قراراه و لكنه أصر و قرر أن يبتعد في قمته .
كلاهما قررا ترك عملهما الحالي عندما كانا في قمة عطائهم و تألقهم و أوجهم، عندما كان خروجهما من منظمتيهما صدمة …حتى أنهم فاوضوهما على البقاء ، وكانت مفاوضات جادة مضنية ولكنهما قررا التوقف في تألقهما و المضي في تجارب أخرى.
نذهب إلى روما وكل الطرق تؤدي الى روما
كان الرومان في عهد الجمهورية بعد الانتصارات الكبرى يخرجون في مسيرة احتفال بالنصر، فيمشي الجنود المنتصرون في المدينة ومعهم القائد. كان القائد يمتطي عربة لوحدة يجرها أربعة خيول و خلفه يقف عبد حاملاً التاج فوق رأسه.

مشهد مهيب وانت منتصر على الأعداء…والجماهير الغفيرة تزأر بالحماس وتغذي شعور الزهو والكبر في القائد.
لم تكن وظيفة العبد حمل التاج فقط بل أنه مكلف بمهمة أخرى ألا و هي أن يهمس في أذن القائد طوال المسيرة بهذه الكلمات: ” أنت فان ولست إله “
كان هذا الفعل حتى لا تأخذه نشوة الانتصار و سكرة الجماهير، كانا يرددان ذلك لتذكيره بأنه مجرد انسان و انه غير مخلد، كأنها محاولة بألا يفعل النصر و نشوة كسب المعركة و سكرة احتفال الجماهير، كأنها محاولة ابقاءه في الواقع و تنبيهه بألا ينجرف .
علامات !!!
هل هناك علامات معينة تخبرنا متى نتوقف أو حانت لحظة التغيير؟ سواء في العمل أو العلاقات الشخصية أو مشروع ما ؟
سأحاول الاجتهاد مما شاهدته و قرأته و سمعته…
- لا جديد ، بمعنى أن الوضع أصبح روتينياً
- كل ما تفعله لم يعد تحدياً و انما أصبح أشبه بالروتين
- مستقبل المكان أو المشروع غير واضح
- العائد أقل من المجهود ، أياً من (عائد مادي ، عائد نفسي، عائد معنوي …الخ)
- لا عدالة
- وفي العلاقات ، تقليل مما تفعل مهما كان ، لا يوجد تبادل في الاحترام
كل ما سبق قد تعد مؤشرات، و قد لا تظهر الا بعد فوات الأوان، قد تسترخي من حيث لا تعلم و تركن الى منطقة الراحة و تنتبه بعد فترة بأنه لا يوجد تحد أو أن الوضع أصبح روتينياَ .
كيف يمكننا تحديد لحظة القمة بدون الركون الى النشوة ؟ وننتبه حينها انه حان وقت الرحيل أو التغيير أو ربما التوقف!؟

قام بإعادة تدوين هذه على raedrido's Blog.