كل عام و أنتم بخير
في كل عيد نستقبل التهاني و المعايدات , الصوتية و البطاقات الالكترونية و رسائل الواتس أب و تويتر و باقي وسائل التواصل الاجتماعي الالكترونية , و بعضها منمق بطريقة رائعة و البعض الآخر يكتفي ب ” كل عام و أنتم بخير …فلان الفلاني” .
ما هو ملفت للانتباه اختلاف و تحول طريقة تواصل البشر مع بعضهم البعض. في السابق كان الناس يستعدون للعيد بغسيل الاحواش و تنظيف المجالس و إشعال أفخر أنواع العود و البخور و تجهيزها لاستقبال الضيوف, وتتحول البيوت ليلة العيد الى خلية نحل لا تهدأ من التجهيز لصبيحة العيد و من بعد صلاة العيد لا تنقطع الزيارات, و لابد من تناول الحلوى أو الشوكولاته في هذه الزيارات أو تجمعات عائلية لتناول الإفطار و المشي لبيوت الجيران القريبة للمعايدة , والذهاب بالسيارات جماعة لمعايدة الاقارب و من بعدت بيوتهم, حتى أن كثير من العوائل لا تغلق أبواب المنازل من كثرة دخول و خروج المعيدين.
![]()
وبدلاً من طرق الابواب و ضغط زر أجراس البيوت و النداء من خلف الابواب ” السلاااااام عليكم ” و ” يااااولد ” , استبدلت بتنبيهات الواتس أب و جرس الرسائل النصية – ان كان مفعلاً – و اشارت و أصوات تنبيه الرسائل في تويتر . ما نراه الان أعياد في وسائل التواصل الاجتماعي, وأقصد التواصل و المعايدة بحد ذاتها. أصبح الكثيرون يكتفون بتلك الرسالة المنسوخة للمرة الالف بعد المليون و ربما يغيرون اسم المرسل لا غير.
و في تصويت بسيط طرحته في تويتر كانت الاغلبية بنسبة و اضحة ترى أن المعايدة برسالة / تويتر / رسالة جوال نصية , تكفي و تقوم بالواجب. حتى أن التواصل الهاتفي تراجع لمصلحة الرسائل و ما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي.
تتطور و سائل النقل و الاتصال لكن تفاعل البشر مع بعضهم البعض يتغير بشكل ملفت. تجد الشخص يقضي الساعات الطوال – و ان كانت غير متواصلة – على وسائل التواصل الالكترونية و لكنه يقلل من وسائل التواصل و التفاعل الحقيقية . وقد أظهرت بعض الدراسات أن البشر أصبحوا أقل اهتماماً بالتفاعل مع الآخرين وجهاً لوجه.
تشير التقارير الى اننا نقضي ما معدله ساعتين يومياً على وسائل التواصل, هذا عدا وقت تصفح الشبكة العنبكوتية و التحقق من البريد الالكتروني.
يقول لي أحدهم أنه تعرف على شخص عن طريق تويتر و دائماً ما يبتادلون الاحاديث و النقاشات, ثم يذكر أنه صدفة قابله عند المسجد بعد الصلاة, سلم عليه من باب المعرفة الممتدة لشهور , يقول استغربت ان الشخص الآخر قابلني بوجل و تردد و كأنه يحاول انكار معرفته بي او يحاول التهرب مني!
يقول تركته لحال سبيله فلم يكن هدفي مضايقته , وعندما عدت الى تويتر عاد ليتحدث معي بكل أريحية ؟؟؟؟
قد تسأل أحدهم أين أنت ذاهب أو مسافر, كم هو دخلك, ما رأيك في كذا و كذا, و ربما يصدك أو يتهرب من الاجابة بشكل مباشر , لكن بجولة بسيطة على حساباته في منصات التواصل ستأخذ هذه المعلومات و أكثر و ربما باسهاب لا تريده. و هذا تغير في طباع البشر بشكل لن أقول عجيب و لكنه ملفت للانتباه حقاً.
تجد البعض يثق في أناس خلف الحسابات و يحكي لهم عن حياته مشاكله همومه و ربما لم يقابله قبل ذلك اطلاقاً.
حتى اللعب أصبح موصولاً بالشبكات و الناس والاطفال يلعبون و يقيمون علاقات صداقة رقمية, بعض الدراسات تؤكد أن هذا سيؤثر حتماً على كيفية تعاطيهم مع الحياة و في العلاقات الانسانية.
جسد فيلم disconnect سيناريو لما يحدث في علاقات البشر و كيف تؤثر عليهم هذد المنصات, حين تكون العائلة تعتقد انها تجتمع و لكن الحقيقة كل منهم يعيش في عالم رقمي مختلف
, و كذلك في مسلسل black mirror الموسم الثالث, الحلقة الأولى , و قدموا صورة قاتمة جداً – ولكنها توصل الفكرة – وليست خيالية جداً – و هي تحدث بنسب مختلفة – حيث قدموا في هذه الحلقة ; كيف أن منصات التواصل ومدى شعبية الشخص و تقبل الآخرين له بها , تصبح هي الحكم الحقيقي على الشخص في الحياة الحقيقية وتحدد مدى قبوله في المجتمع الحقيقي و ليس الافتراضي.
أما الفيلم HER فيأخذ الموضوع الى أبعاد أخرى , حيث تصبح هناك أجهزة و برمجيات تنشأ علاقة شخصية مع الانسان , وتحاوره و تعيش معه تفاصيل حياته , الفيلم حقاً جدير بالمشاهدة و يعطي ربما تصور لما قد تكون عليه العلاقات الانسانية في المستقبل ربما الغير بعيد.
ربما أحد الاسئلة المهمة هنا , هل يدرك الناس تأثير هذه الوسائل عليهم ؟
تشير دراسة من جامعة كالفورنيا, التي رصدت أكثر من بليون حالة و وضع من محتوى منصات التواصل , وجدت أن المحتوى السلبي الواحد يؤثر على 1.3 مستخدم , بينما المحتوى الايجابي الواحد يؤثر على 1.7 مستخدم.
هنا يبرز سؤال آخر, هل المحتوى سلبي أو ايجابي التي تكون في وسائل التواصل, هل تؤثر فعلاً على حياة الانسان الحقيقية ؟ هل مثلاً تؤثر على انتاجيته ؟ علاقاته مع الآخرين ؟
تبرز قضايا التنمر الالكتروني و التي تعبتر مؤشراً قوياً على تأثيرها المباشر على حياة الانسان. ولكن هل هذا المؤشر ينتقل للحياة الواقعية بسبب تعلق أو ادمان او الايمان من هذا الشخص بأن هذا الواقع الافتراضي هو واقع حقيقي و يعكس حياته الشخصية ؟
أذكر تجربة أحد الزملاء و الذي كان يشارك بحماسة مفرطة في هذه الوسائل, واشتكى بعد فترة من أنها قد تكون أحد أسباب احباطه و ربما أثرت على انتاجيته في عمله. حينها قرر اغلاق حساباته نهائياً. بعد تجربة تجاوزت 3 أشهر قرر ألا يعود لهذه المنصات, حيث يرى أنه أصبح أكثر تواصلاً مع البشر, يمارس الرياضة بانتظام أكثر, انتاجيته في العمل أفضل , ومزاجه العام تحسن كثيراً.
في الطرف الآخر , أحد الزملاء وظف كل ما يكتبه في منصات التواصل عن قطاع معين , وفي الأخير تحصل على وظيفة مرموقة من جهة تعمل في هذا القطاع !
الأكيد ان منصات التواصل غيرت من طريقة تعامل البشر مع بعضهم البعض و من طريقة تخاطبهم و تواصلهم مع بعض, و غيرت طباعهم كذلك . لكن من وجهة نظر شخصية أتمنى ألا تطغى – و ربما تكون و جهة نظر أو أمنية متأخرة – على العلاقات الانسانية من لقاءات و تواصل و جلسات القهوة بدون تنبيهات الرسائل.
المصادر
http://www.bbc.com/future/story/20180104-is-social-media-bad-for-you-the-evidence-and-the-unknowns
https://rampages.us/peasedn200/2015/12/01/final-inquiry-project/

فكرة واحدة على ”تواصل“
التعليقات مغلقة.