رحلتي الى ERIN


لم أفكر أبداً في يوم من الأيام بزيارة جمهورية ايرلندا….أبداً. ليس لفكرة سيئة او انطباع مسبق غير جيد, لكنها لم تخطر ببالي قط و لم تكن ضمن لائحة اهتماماتي او مطالعاتي , أو في قائمة ” ما يجب مشاهدته او زيارته “.  لكن متطلبات العمل قادتني لهذه الفرصة اللطيفة لاكتشاف بلد ” خارج قائمتي ”

للوهلة الأولى اكتشفت ان معلوماتي قليلة عن هذا البلد, و الاهم من ذلك أنني عرفت أنها جمهورية مستقلة عن بريطانيا العظمى أو المملكة المتحدة. في الواقع تحصلت جمهورية ايرلندا على استقلالها  عن بريطانيا العظمى في العام 1921 بعد احتلال دام اكثر من 800 عام .

كل ما أعرفه عن ايرلندا قبل رحلتي هذه هو

  • يحبون اللون الاخضر و يطغى على كل ما يرمز لهم لسبب ما
  • دايمن دف لاعب تشلسي السابق
  • روي كين محور مانشستر السابق
  • المهاجم المعروف روبي كين
  • أحد أفلام براد بت عن الجيش الجمهوري الايرلندي IRA بعنوان The Devil’s Own

download

  • عاصمتها دبلن
  • وشهرتهم التي تسبقهم بحبهم للجعة ( البيرة ) .

ركبت الطائرة بدون أي تصور عن ماهية المكان المتجه اليه , وهذه ليست من عاداتي حيث احب أن أطلع أو أقرأ ما تيسر لي عن المكان الذي سأزوره.

كنت ساهياً في قصة أقرأها حتى بدأت الطائرة  بالميلان و الهبوط قليلاً فأيقنت اننا اقتربنا , اشحت القصة عن ناظري و شدني المظهر من النافذة بل ابهرني … حيث كانت اطراف الجزيرة الايرلندية بتكويناتها الصخرية و امواج البحر شديدة الغمقة تتهدهد على شواطئها الصخرية و المنازل متناثرة بقرب و بعيداً عن الشاطيء.

هبطت الطائرة , وفتحت الابواب و هبطنا , اول ملاحظة لي اننا هبطنا في ساحة و لم يكن محدداً أين يجب أن نذهب؟؟؟

هناك برج صغير يأخذك للمبنى  وهناك ممر بسيط لا أعلم هل هو للركاب أم لا ؟؟

أخذت إمرأة طريقها نحو البرج الصغير و تبعتها وتبعنا الباقون , وإذ بشخص ينادي : هييييي هيييي , فعلمنا اننا سلكنا الطريق الخاطيء , وايقنا بان الممر البسيط هو طريقنا , فتبعناه و اصطف المسافرون …ولكن الابواب لم تفتح ؟؟ و لدقيقة او دقيقتين لم نعرف هل يجب أن تفتح الابواب أم اننا سلكنا طريقاً خاطئاً آخر ؟ حتى اتانا احد موظفي المطار و دلنا على طريقنا…ضحكت لأنني لم أتوقع أن أشاهد هذا الموقف في مطار دولي في الاتحاد الاوروبي !!

عند نقطة الجوازات كان هناك مساران, مسار لحاملي جواز دول الاتحاد الأوروبي, ومسار لبقية المسافرين. عند المضي في مسارنا – بقية المسافرين – تنتهي بطرفة جميلة لا تقل عن طرفة دقائق التوهان عند الهبوط من الطائرة. في الحقيقة كلا المساران ينتهيان عند نفس نقطة فحص الجواز فلا فرق بين المسارين !!

عند تجاوز كل ذلك ما شدني في صالة الاستقبال ان  كل اللوحات الارشادية مكتوبة بلغتين , الانجليزية و لغة أخرى

IMG_7524

, وكان هذا أول ما سالت عنه. أخبروني بأنها لغتهم الأم و أنها لغة رسمية بجانب اللغة الانجليزية. مثلاً كلمة ” مخرج او خروج ” بالانجليزية  “exit”  تنطق  ” آمخ “, نطقها يذكرك باللغات الاسكندنافية.  لم يكتف الانجليز باحتلالهم 800 سنة , بل غيروا حتى لغتهم الأم. تغلغلت اللغة الانجليزية حتى أصبح الفكاك منها تجاهلاً لأرث أدبي  ايرلندي مهم, فيكفي أن نذكر الكاتب الايرلندي المشهور أوسكر وايلد  صاحب رواية ( صورة دوريان غراي ) و مسرحية ( أهمية أن تكون جاداً ) .

*صور لمنزل أوسكر وايلد

أصبحت هذه اللغة ” الانجليزية ”  ميزة تنافسية لهم سواء في استقطاب الشركات الامريكية بالتحديد للاستثمار في ايرلندا – طبعاً عامل اللغة جزء من عدة أمور جذبت الشركات الامريكية للاستمثار في ايرلندا – . 700 شركة أمريكية تملك مقراً في ايرلندا ! تحصلت ايرلندا على استثمارات مباشرة من الشركات الأمريكية أكثر مما تحصلت عليه روسيا و الهند و الصين و البرازيل مجتمعين من استثمارات الشركات الامريكية .

https://www.theguardian.com/world/2015/mar/05/ireland-attracts-soaring-level-of-us-investment

 

المزيد من البطاطس

ذهبنا لمطعم ايرلندي شعبي. المطعم أخذ مكاناً في قلعة قديمة قرر ما لكوها تحويلها لمطعم و استغلال المبنى التاريخي الجميل. قال لي مرافقنا الايرلندي , ستلاحظ مدى حب الشعب الايرلندي للبطاطس !! حقيقة لم أفهم ماذا يقصد .

طلبت لحم ضأن بالطريقة الايرلندية, و حقيقة فإن طعم لحم الضأن الايرلندي طيب حقاً, لكن طعامهم قليل البهارات ان لم تكن معدومة, وبجانب اللحم أضيف بطاطس مهروسة… مع كل طبق كان معه بطاطس مهروسة, و اضافت النادلة ثلاث أطباق كبيرة مليئة بالبطاطس المهروسة, و طبقين من البطاطس المقلية – اللذيذة حقيقة – و طبق من الخضار المسلوقة و التي تمثل البطاطس اغلبها !!! و نظرت النادلة للطاولة , وقالت : هل ينقصكم بطاطس …. كان موقفاً كوميدياً هستيرياً…. فالطاولة كانت تغص بأنواع البطاطس .  في مطعم آخر وجدت في القائمة  نوع واحد من البرجر و ثلاث أنواع من البطاطس !

عرفت لاحقاً أن هذا شيء ايرلندي بحت.

رمادي

لاحظت منذ و صولي وربما حتى مغادرتي ايرلندا , ان الاجواء إما ملبدة بالغيوم , أو ملبدة بالمزيد من الغيوم. أضيف اني و لمدة خمسة أيام لم أخرج نظارتي الشمسية من محفظتها نهائياً.

لأول مرة في حياتي ينتابني شوق للشمس بهذه الطريقة. كانت السماء ملبدة بغيوم كثيفة جداً , وعندما ينقشع جزء منها تظهر خلفها مزيداً من السحب. الامطار و الهتان متوقع في أي لحظة. الجو بارد جداً و مما يزيده برودة هو التيارات الهوائية و الرياح , و بالذات في الجزء الغربي من جزيرة ايرلندا – حيث ذهبنا لمدينة غالوي – بحكم انها مكشوفة بالكامل على المحيط الاطلنطي. قيل لي أن هذا شتاء ايرلندا و انها قليلاً ما يتساقط الثلج رغم شدة البرودة. الشمس لم تظهر سوى لدقائق على مدى خمس أيام. كان الجو غائماً دائماً لدرجة اني لم افكر أن أخرج نظارتي الشمسية من محفظتها….أبداً -يبدو أني ذكرت ذلك مسبقاً- !! أعتقد ان الجو ملائم جداً لمصاصي الدماء حيث لا شمس تحرقهم .

الطبيعة خضراء , بل خضراء جداً , درجات متعددة من اللون الاخضر و الاخضر الغامق و الاخضر الغامق جداً. سهول و مرتفعات مكونة من درجات اللون الأخضر, تنوع في اللون الأخضر لم أشاهده حتى في علبة الالوان !!

الارض مرتوية حد الثمالة حيث ان هطول الهتان أو المطر متوقع في أي لحظة.

تجولت في وسط مدينة غالوي , – مثل وسط المدن الأوروبية – الطريق مرصوف بالحجارة التي تخبيء في ثنايها تاريخ عتيق قديم مليء بمسيرات العشاق و السكارى و الباعة و المحتل الانجليزي و ربما رحالة من بلدان العرب الذين لابد أنهم دهشوا من الفرق بين بلدانهم ذات السماء الصافية المشمسة بهذه البلاد الخضراء جداً الملبدة بالغيوم جداً.

كان الناس يتنقلون وسط المدينة بين المحلات بهدوء …أقول بهدوء لأاني توقعت ان أرى صخب و جموع من السكارى في كل مكان…أليست شهرة الايرلنديين الجعة و الشرب حتى الثمالة !!

ولكن ما رأيته كان مخالفاً…لا أقول لم أرى سكارى , لكن مقارنة بما شاهدته في أماكن اخرى من العالم كان الوضع طبيعياً . أخبرني مرافقي الايرلندي أن هذه الشهرة لم تعد تعكس الواقع…ليس أنهم أقلعوا ولكن ليس كما هو السائد عنهم.

كان وسط المدينة حالماً بارداً. اضاءات الشارع تنعكس على حجارته المبلله فتخلق تموجات من اللون الذهبي على حجارة الشارع. لم يكن الشارع مستقيماً بل يتلوى و تتفرع من جنباته شوارع فرعية … كان جواً رومانسياً باعثاً على الابتسامة و محفزاً على الهوينا و الاستمتاع باللحظة. نهاية الشارع عند جسر يمر فوقه نهر يتجه للمحيط. كان نهراً هائجاً صاخباً.

تناولنا العشاء في أحد المطاعم و قد أخذت احد أشهر أطباق الانجليز و الايرلنديين…. السمك و البطاطا. وللحق فقد كان السمك لذيذاً جداً و كذلك بالطبع … البطاطس.

ود ود ود

دخلت أحد المحلات لأسأل عن بعض التذكارات و الهدايا, فأجابني البائع : عادة تجدها في الطابق الثاني من المحل, لكننا قاربنا على الاغلاق الآن لذلك القسم العلوي مغلق, و لأنني أعمل لوحدي حيث ان من تساعدني غادرت مبكراً ربما هي مريضة نوعا ما …, بالاضافة الى اننا نعاني من نقص في الموظفين , والا فالمعتاد أننا لا نغلق أجزاء من المحل مبكراً…عندما نزيد عدد العاملين سيكون الوضع أفضل. غداً صباحاً نبدأ العمل الساعة 9 صباحاُ و ستكون زميلتي متواجدة و كذلك القسم العلوي سيكون مفتوحاً ..قاطعته شكراً شكراً و غادرت.

فهمت لاحقاً أن مسألة البدء في حديث مع الايرلنديين هي بداية لمحادثة طويلة و أحياناً تؤدي الى – حتى – معرفة مشاكل البيت و المشاكل الشخصية !!

في طريقنا لدبلن مررنا بقلاع تاريخية , معظمها كانت تعود للطبقة الارستقراطية الانجليزية و عند الاستقلال بعض منهم باعها. تم تحويل بعضها الى فنادق و منتجعات. زرت فندق….كان الفندق من الداخل معتق برائحة الخشب و المقتنيات القديمة. لبس الجنود الحديدي في استقبالك و صورة أو الرسمة الزيتية  لمالك القلعة الأصلي معلقة في وجه المدخل خلف طاولة الاستقبال. هناك عدة جلسات مختلفة أحدها كان في صدره مدفئة مشتعلة باعثة الدفء و الخيال في المجلس المترف الفخم, وأعلى المدفئة رأس غزال معلق. أنا أعيش في داخل فيلم عن اللوردات و الدوقات…باستثناء انه لايوجد لوردات أو دوقات ايرلنديين. المنتجع كبير وفيه نشاط للصقور ومحبي الصقور. فهمت أنها جزء من ثقافتهم. لكن الصقر الذي شاهدته قد يكون نسراً و كتب في بطاقة عمله “صقر” !!

 

GOT

عند التجول خارج المدن في ايرلندا و في الارياف, لابد ان يمر ببالك المسلسل الشهير “لعبة العروش” “GAME OF THRONES”  فالطبيعة و الاجواء و منظر القلاع و الحصون تذكرك بالمسلسل. و الحقيقة الكثير لا يعرفون أو يعرفون, وربما أنا لوحدي لم أكن أعرف أن الاراضي الشمالية في المسلسل صورت في ايرلندا – وبالطبع منها مملكة ال ستارك – .

زرت قلعة بونراتي, المبنى حجري رمادي يشوبه السواد

IMG_7479

, والبوابة كما شاهدتها في الافلام ذات باب مربوط جانبيه بالسلاسل لعملية الهبوط عن الفتح و الرفع عند الاغلاق, وقبل باب القلعة هناك سور يحيط بها. الموقع جعلوه مزاراً سياحياً, قرية صغيرة كل جزء منها يمثل مرحلة من مراحل البشر في الجزيرة الايرلندية. القلعة من الداخل لا تقل هيبة عن الخارج. الدرج يرتفع أو ينزل بدرجة حادة, ضيق بالكاد يتسع لشخصين نحيفين. شاهدنا الزنزانة و هي مكان يتم النزول له و من بعدها يلقى في ما يشابه حفرة بحجم غرفة صغيرة لا يصلها الضوء. مقارنة بسجون اليوم فسجون اليوم تعتبر جنة !! ويبقى السجن سجناً .

صالة أو ديوان الحاكم يتوسطه الكرسي المخصص له و على جانبي الديوان بقية الكراسي لمن يحضر

IMG_7480

. في الاعلى نافذة صغيرة أخبرونا أنها للحاكم ليشاهد من يحضر قبل نزوله للديوان. بقية القرية بها بيوت تحاكي معيشة الايرلنديين في مختلف الازمنة. مما لفت انتباهي مبنى يمثل المدرسة قديماً – بالنسبة للمدرسة فهي في حدود المئة سنة أو أقل أو هكذا أعتقد او يبدو لي  – و قد كانت مفصولة ذكور و أناث. قبل خروجنا من القرية شاهدت غرفة كبيرة كتب عليها “مركز الابحاث” , توقعت انه يتعلق بدراسة هذا الموقع و ما حواليه, لكنه كان خلاف ذلك. لقد كان مخصصاً للمهاجرين الراغبين في معرفة رجوع نسبهم و أصلهم و فصلهم. كان المهاجرون لأمريكا ربما هم اغلب من يذهبون اليه. غريب هذا الحنين الى الاصول رغم انهم ربما – بعضهم – منقطع عن جدهم المهاجر الاكبر منذ أجيال بعيدة و لا يعرفون شيئاً عن مسقط رأسهم.  عموماً الانسان كائن غريب.

 

دبلن

ربما أول ملاحظاتي كانت…أن مبانيها و شوراعها تذكرك نوعا ما بمدينة بوسطن الامريكية. ولكن بما أن كثير من الايرلنديين هاجروا الى القارة الجديدة منذ القرن السابع عشر فربما ان التشبيه الصحيح أن بوسطن تشبه ايرلندا. يشكل حالياً الامريكيون من أصل ايرلندي 10.5% – احصائية أخذت في العام 2013 – .

IMG_7499

طبقاً لما يرددونه ان موجة الهجرة الأولى كانت بسبب المجاعة . كان هذا جواب محدثي الايرلندي. قالها لي و نحن في الطريق بين غالوي و دبلن. و المناظر و اللون الاخضر يطغى أو يحتل الافق كاملاً. فلم أستطع الا أن أقول: كل امتداد هذا الاخضر و الاراضي الزراعية و وفرة المياه و تتحدث عن مجاعة ؟ أجابني : أضف توافر السمك و مهنة الصيد . قلت هل كان السبب فعلاً المجاعة, أجاب : هذا ما درسونا و مازالوا و حاولت مراراً تحدي هذا الجواب في المدرسة بلا فائدة!!

المدينة تقع في الجزء الشرقي من البلد . أيضاً باردة و لكن تيارات الهواء أقل من غالوي. هطول المطر أو الهتان متوقع في أي لحظة. وسط المدينة – مثل معظم وسط مدن أوروبا –رومانسي , ذا شوارع مرصوفه بالحجارة. زرت حرم جامعة دبلن . فيه مخطوطات نادرة و قديمة . هناك مثلاً أحد كتب الرهبان الأوائل محفوظ في صندوق زجاجي و يتم قلب صفحة كل يوم لمن أراد مشاهدته.

مما يلفت الانتباه في العاصمة دبلن انه لا توجد تلك المباني العالية ذات الطوابق المتعددة ناطحات السحاب!!

 

لا مشاعر

في آخر ليلة في دبلن , أسررت لنفسي أن البلد لطيف , أخضر و بارد جداً, لكنني لن أفقده أو أشتاق له…ولكن عند عودتي انتابني اشتياق غريب..ايرلندا ليست تلك المزار السياحي الفاتن – من وجهة نظري – ولكنها من تلك الاماكن التي تشعرك بالحميمية و الالفة ولبعض الوقت – عند عودتي – أحسست و كأني فارقت مكاناً اعتدت عليه , كأنه مكان عشت فيه و ألفت كل مافيه.

هل سأعود ؟ بين نعم و لا , قد تقودني الصدفة من حيث لا أعلم